خليل الصفدي

392

أعيان العصر وأعوان النصر

المشايخ عنده ، وساهره إلى أن نام ، وهو الذي حطّ يده في سيف الطنبغا نائب الشام ، لما دخل القاهرة قبل الناس كلّهم ، ولم يجسر أحد أن يمدّ يده إليه . وكان الأمير سيف الدين بهادر التمرتاشي - الآتي بذكره إن - شاء اللّه تعالى - في حرف الباء - في الأول هو آغا الطنبغا المذكور ، وهو الذي خرّجه وربّاه ، ولما بدت منه هذه الحركات والإقدامات ، قويت نفسه عليه ، فوقف فوق التمرتاشي فما حملها منه ، وبقيت في نفسه ، ولما ملك الملك الصالح إسماعيل ، صار الدست كلّه للتمرتاشي ، فعمل على الطنبغا المذكور ، ولم يدر بنفسه إلّا وقد أخرج على خمسة أرؤس من خيل البريد إلى حماة نائبا في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة ، فتوجّه إليها ، وبقي بها نائبا مدة شهرين أو أكثر ، إلى أن توفى آيدغمش نائب الشام ، ونقل الأمير سيف الدين طقزتمر من نيابة حلب إلى نيابة الشام ، ورسم للأمير علاء الدين الطنبغا بنيابة حلب ، فتوجّه إليها في أول شهر رجب من السنة المذكورة . وجاء إلى حماة نائبا الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي ، فأقام الطنبغا في نيابة حلب مدة يسيرة ، وتمرّض وقاسى شدة ، وحضر له طبيب من القاهرة . ولم يزل إلى أن كان القبر لجوهرته صدفا ، وراح شخصه لسهام المنايا هدفا . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في مستهل صفر سنة أربع وأربعين وسبعمائة . وكان شابا طويلا رقيقا ، يدير من أجفانه رحيقا ، بوجه قد حلا ، ومن العيب قد خلا ، وللبدر قد جلا ، ألطف من مرّ النسيم ، وألذّ ذوقا من التسنيم ، معشّق الخطرة إذا خطا ، متأنق الفترة إذا سطا ، كريم الكفّ ، حكيم الشروع واللف ، حدسه صائب ، ونفسه بالصبر تردّ ناب النوائب ، عقله أكبر من سنّه ، وأمره يأتي إليه على ما يغلب في ظنه . وكان أستاذه له يتذلل ، وهو يجفو عليه ويتدلل ، وبجناحه طار طاجار ، وأصبح وهو دوادار ، ولكن خانه الزمان ، ولم يؤخذ له من الحوادث أمان : وقلت أنا لما بلغتني وفاته : ( البسيط ) خذ من العيش ما أتاك بتقوى * واغتنمه من قبل صرف الزّمان وتأمّل بعين فكرك لمّا * مارداني الفنا إلى المارداني 329 - الطنبغا « 1 » الأمير علاء الدين برناق بالباء الموحدة والراء والنون والألف والقاف - الجاشنكير

--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 1060 .